الخميس، 19 يوليو 2012

البرادعي.. رمانة الميزان




د.محمد البرادعى بميدان التحرير
ليس من الحكمة أن أصف البرادعي على أنه الرجل الذي ليس قبله وليس بعده، ولا من الحكمة أن أتخيل أن الرئيس القادم كان لابد أن يكون البرادعي، وليس من الحكمة أن أتخيل أن الرئيس القادم  سيدير كل شيء في حياتي وحياة الناس، لكن من الحكمة أن أبحث عن رئيس للدولة  يكون على وعي كامل أنه لن يكون الرجل الأوحد الذي سيقوم بكل شيء، كما خدعنا المخلوع وأقنع الكثيرين بذلك.
 أريد رئيساً يؤمن بالشعب ويعلم تماماً أن العمل الجماعي المبني على أسس علمية  ويدفع بالإيمان أن كل فرد له دور في هذه التنمية، كما أريده نفس الرجل الذي آمن بشعب مصر بأنه سوف يقوم بالثورة، وعندما أبحث في الساحة أجد القليل منهم، الذين يؤمنون بالإنسان ولا يدعي أنه الرجل الأوحد  .
ولعل أهم ما يميز البرادعي رؤيته في الإدارة، والتي تعتمد على الإدارة الجماعية، فيجب أن نأخذ من البرادعي أفكاره، وليس أن يتمحور عرضنا له حول شخصه، فهذا ما يريده أعداء التغيير.. أن ننادي بالشخص ولا نتمكن من عرض أفكاره، فالجميع فانون، ولكن الفكر يمكن أن يعيش طويلاً، ولا يمكن لمصر أن تستمر في نظام القوالب.
إن مصر تحتاج فعلاً لرجل إدارة في المقام الأول ليخرج مصر إلى مرحلة تطور جديدة، رجل إدارة من الطراز الأول، وعلى دراية بالسياسة العالمية وألاعيبها، وكيفية التعامل معها، وحتى اللحظة فعلاً لم يلوح في الأفق  رجلاً بديلاً، يطرح فكراً معتدلاً  وعلى مسافة متساوية مع الجميع  وله خبرة دولية، وكنت أتمنى أن نرى كثير من أمثال البرادعي  حتى يهدأ  بعض الأشخاص الذين يزايدون على البسطاء بالكلمات العاطفية الجوفاء البعيدة عن الواقع والرؤية.
سوف يكتشف الناس لماذا كان الهجوم على شخص البرادعي، وهذا السؤال الذي يجب طرحه، والجواب.. إنه من الأكيد أن وجوده على الساحة السياسية سوف يعطل مخططات جماعات المصالح  في السيطرة على البسطاء وترويج الأكاذيب والتلاعب بمقدراتهم.
فيجب أن نناقش أنفسنا .. لماذا البرادعي خلال الفترة السابقة كان مستهدفاً من النظام السابق قبل سقوط رأس النظام وبعد سقوطه وحتى الآن؟ فبدون الدخول في تفاصيل معقدة يجب أن نعلم أنه مستهدفاً لأنه بوجوده داخل السلطة يجعل من الشبكة العنكبوتية للنظام الذي تحكم حتى الآن  تتفكك وتزال، وبالتالي الرئيس القادم إما أن يكون عاجزاً عن تفكيك هذه الشبكة أو التوائم معها، ولكن من الواضح أن البرادعي لن يتوائم معها أبداً سواء كان بداخل السلطة أو خارجها، ويمكنه تفكيك هذه الشبكة العنكبوتية حتى وهو خارج السلطة، وهذا هو المطلوب من وجهة نظري.. ولو فعل ذلك فكفى، فمصر تحتاج لفك طلاسم هذا الجدار العنكبوتي الذي يتحصن من خلال صفقات للأسف مع دول وأيضاً جماعات مصالح على شاكلة من اجتمعوا مع عمر سليمان فيما سموه الحوار المزيف، الذي لم يخيل على البرادعي وشباب الثورة.
 رجاءً التأمل في كلامي، ولا أريد منك أو منها  أن تكون مؤيداً للبرادعي، ولكن أريد أن نفكر في من يصلح للمرحلة، فلكل مرحلة رجال، ففي هذه اللحظة الراهنة  من هو أو من هم رجال اللحظة؟ وما يهم تفكيك النظام السابق، ودستور يضمن لو أن رئيس الدولة لص لا يقدر على السرقة.
وما بالكم أن البرادعي بحملات التشويه.. أصبح أشهر رجل في مصر، فكم من المرشحين للرئاسة كثير من الناس بقطاعات كبيرة لا يعرفونهم؟ والآن بدأت علامات الاستفهام ، وغداً يتأكد الجميع أنه الأفضل لهم أن يتعاونوا  مع رجل يحترمهم، وكلماته ثابتة صادقة، عندما تتعدد الأكاذيب من الآخرين الذين كانوا يريدون برلماناً قبل أن يكتشف أكاذيبهم للجميع.
والحقيقة التي  لا يريد أن يراها الكثيرون أنه لو تم اختيار أشرف الناس وأتقاهم، ووليناه رئاسة مصر بدون أن يكون على علم بدهاليز السياسة العالمية ،ومشاكلها المعقدة، بالطبع سيلجأ للنظام القديم، وبالتالي ومع توالي أخطاؤه سيصبح عبداً لهم.. فالسؤل .. ونحن في مرحلة دقيقة نريد فيها التخلص من النظام السابق.. من على دراية بالسياسة العالمية ولا يحتاج النظام السابق!؟ .. وهذا هو الواقع الذي لابد أن نواجهه.
فمن تكالبوا على الأرض، ولم يتفقوا على كيفية بناء الأساس فسيسكنوا الأرض المليئة بالركام، ويدخلوا داخل جحور هذا الركام كالفئران، فمصر لو لم تبدأ الآن لن تعود أبدا،ً فالجميع في العالم يتحرك ولن ينتظرها أحد.
وقد كان انسحاب البرادعي من الترشح للرئاسة بمثابة رفض للمساومة على مستقبل هذا البلد، عندما باعها البعض من أجل الفتات، الذين روجوا للإعلان الدستوري، الذي وضعة المجلس العسكري والذي سيقوم بتعديله قبل تولي الرئيس القادم، وهكذا المجلس العسكري أيضاً من سيلزم جميع السلطات بما فيهم الرئيس القادم بهذا الإعلان.. وهكذا يكون المجلس العسكري فوق كل السلطات بل فوق الإعلان الدستوري نفسه، ولعل من فرحوا بانسحاب البرادعي غداً سنسمع منهم مواء القطط.
فلتعلموا أن البرادعي رمانة الميزان في علاقتكم مع العالم، بل سفيراً لمصر في العالم كله بدون أن يبرح المكان، وفي النهاية  يجب أن نعلم أن الثورات كموجات البحر.. ترى البحر ساكنا.. وإذا بموجة تلو موجة تصطدم بالشاطيء فتغير من معالمه.. وفي كل مرة تلفظ أمواج الثورة الدخلاء عليها على البر.. ولكن تستمر الموجات تضعف حينا وتزداد حيناً ولكن ستظل الثورة تلاطم كل من يقف أمامها.. ولن تتوقف ولن تستكين، ونتمنى أن نجد جيلاً بعد هذه المرحلة مؤهلاً لقيادة مصر.. بعد ما تم تجفيف منابعها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق