كامل عشري يكتب: احذروا.. الثورة المصرية لن تعود للخلف
الثورة المصرية من حيث التوقيت والثوار فهي مصرية خالصة لا ريب في ذلك
الثورة المصرية من حيث التوقيت والثوار
فهي مصرية خالصة لا ريب في ذلك, ولكن كل ما حولها غير مصري سواء قبلها أو
بعدها، بل وأحاطت بها الخيانة من كل جانب، فلا يمكن قراءة ثورة مصر بعيداً
عن الشأن العالمي, وهي الدولة المحورية بين الشرق والغرب, ولا يمكن أن تصبح
ثورة مصر مجرد شأن داخلي كأي دولة أخرى, فمصر حتى تحت الاحتلال ظلت دولة
محورية.
فالثورات في أوروبا الشرقية في نهايات الثمانينات وأوائل التسعينات كانت إشارة واضحة لضرورة وجود ثورات على أبعاد متقاربة منها في الشرق الأوسط وخصوصاً في مصر التي تتوسط العالم ولم تلفحها رياح التغيير, وهذه الإشارة لم يتلقاها فقط الإدارة الأمريكية والغرب بل والنظام الحاكم في مصر أيضاً تلقفها, وقد علم كل طرف منهما أنه لابد من وضع الحسابات الدقيقة لهذا وكان اللعب على المكشوف, وبدأ بتحالف بين الإدارة الأمريكية والحكومة المصرية وانتهى بتجادل.
التحالف جاء من خلال إمداد النظام المصري بتدريبات أمنية وغيرها من الأمور, من وجهة نظر النظام تلقاها على أنه مرغوب فيه من الإدارة الأمريكية, وبالنسبة للإدارة الأمريكية تراه مجرد تأجيل للثورة لتحديد الصورة النهائية المطلوبة.
ثم جاءت الألفية الثالثة وبدأ يعلم كل فريق منهم أن اللعب على المكشوف حيث أن الإدارة الأمريكية لديها خطة للشرق الأوسط الجديد, وفي المقابل كان على المخلوع أن يعرف كيف يقنع أمريكا أن تبقيه لأن مصالحها معه جوهرية وأنه أحسن من أي حليف آخر.
وقد احطاط المخلوع لنفسه وأبدع نظامه وأجهزته الأمنية, فكان خطة نظامه الأساسية تكمن في :
- استقدام الوهابية إلى مصر وفتح الآفاق أمامها لتثبط الفقراء والبسطاء لتثبيت حكمة.
- تعميق الجهل في المجتمع حتى في النظام التعليمي.
- قتل الأحزاب والنقابات والسيطرة عليهما.
- مزيد من السيطرة على الإعلام.
- إضعاف القضاء.
- خطة إفساد مؤسسي ممنهجة.
أما الخطة الأمريكية تكمن في زيادة الإفقار في مصر بحيث تخرج ثورة الجياع في النهاية, بما يسمى بالفوضى الخلاقة, ويمكن أي مجموعة منظمة مثل الإخوان الوصول للسلطة وبمساعدة الإدارة الأمريكية وتحت سيطرتها يمكن أن تضبط الإيقاع .. حيث أن الإدارة الأمريكية والغرب قد ضاقت من الإسلام السياسي وتنظيم القاعدة واستفحال أمرهم، فبعد أن كان الغرب يأخذهم ذريعة لدخول الدول, أصبحوا عبئاً على صانعهم وجاء الوقت لإضعافهم والتخلص من رموزهم.
فهدف الخطة الأمريكية تكمن بصورة عامة وتنصب حول نقل الصراع بين الغرب والإسلام السياسي من المحيط العالمي إلى صراع محلي في تلك الدول التي تنجح في عمل ثورة ليصبح الصراع.. إسلامي إسلامي.. ما بين الجماعات الدينية.. والعلمانيين والليبراليين في مرحلة.. ثم صراع طائفي ومذهبي بين تلك الجماعات في مرحلة أخرى، على أن تدعم الإدارة الأمريكية أكثر الفصائل القادرة على أمركة الإسلام للتخلص من الصراع الإسلامي الغربي في المرحلة التي تلي ذلك.
فجاء أوباما في زيارته في مصر لتحريك المياه الراكدة ومحاولة التشجيع على وجود ضمانات لتواجد الإخوان أو غيرها على الساحة السياسية ليكتشف لأي القوى تميل الإدارة الأمريكية إلا أنه ذهب مجهوده مع أدراج الرياح.
ولكن وبكل صراحة كان استقدام المخلوع للوهابية في مصر أبلغ الأثر في توطيد حكمه .. ولكن حدث ثلاثة أخطاء لم يدركهم أحد في حينها وهي:
الخطأ الأول :
وهو الخطأ غير المقصود الذي وقع فيه النظام هو قتل خالد سعيد.. ولم يعيره الكثير الاهتمام حينها ولم يدرك حجم المشكلة التي جسدت قمة الغباء في معالجة القضية، والذي تبعه تذمر من الطبقة المتوسطة في المجتمع حيث أفقدهم الشعور بالأمان, حيث أن الفقير في مصر كان طموحه أن يكون من الطبقة المتوسطة حتى لا تستهدفه الشرطة ويبتعد عن خدش الكرامة فأصبح الحصن الأخير يسقط أمام جبروت الشرطة, هنا ظهرت الطبقة المتوسطة على الأرض من خلال الحركات السياسية والاجتماعية المختلفة، وأبدت نشاطاً غير عادي للدفاع عن نفسها, وبالطبع فهي أكثر ثقافة وأكثر مالاً فكان لها أبلغ الأثر في التجهيز والحشد للثورة.
الخطأ الثاني :
قد وصل المخلوع إلى قمة غروره في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2010, وأصبحت عقيدته مطمئنة أن هذا الشعب لا يتحرك, وهنا حدثت الثغرة وهنا كان الخطأ الذي وقع النظام فيه بغروره وحتى الإدارة الأمريكية لم يروا ملامح الثورة بوضوح, وأقصى ما توقعوه أن يجهزوا الثورة ضد جمال مبارك فوطدوا صلاتهم بشخصيات عسكرية وآخرين لأنهم أيقنوا هم الآخرين أن الشعب ميئوس منه، حيث حاولت أمريكا الضغط لفترات كثيرة من خلال أجهزتها في محاولة إقناع الجانب المصري بوجود منظمات أهلية ومنظمات حقوقية, وأقصى ما كان موجود وله تواجد حقيقي على الأرض حركة كفاية وحركة 6 ابريل, ولكن الحركة المفصلية الأساسية كانت حركة خالد سعيد, وكانت الإدارة الأمريكية تحاول الضغط لإبقاء هذه الحركات ليس بوصفهم تابعين للولايات المتحدة في ولائهم كما يحاول البعض الإيهام بذلك، ولكن لمجرد تحريك المياه الراكدة فقط.
الخطأ الثالث :
أنه أثناء خلاف المخلوع مع بعض المواد المعروضة في برنامج لقناة سعودية أوصى وزير إعلامه بالضغط على هذه القناة.. فمنعها من البث بحجة عدم دفع الأموال المطلوبة السداد, وقد انتهزها أنس الفقي للضغط على الهيئة السعودية لدفع مديونيات القنوات الوهابية على النايل سات فتم غلقها، فهو يعلم مدى قيمة هذه القنوات لدى السعودية، وهنا حملات التثبيط التي كانت هذه القنوات تفعلها خفت حدتها .. فكان المناخ مواتياً للثورة بدون هذا التثبيط الذي نجح على مدار سنين أن يعزل الشعب عن الحركات الثورية, بل كانت هذه القنوات أهم حائل بين البسطاء والحركات الثورية، وكان هذا خطأ فادح من وزير مبارك ولعله أهم خطأ على الإطلاق.
ونأتي للحلقة الأخيرة.. وهي عندما فوجيء الجميع بنجاح يوم 28 يناير.. وكان أقصى أماني المجلس العسكري أن يكون أداة ضغط لعدم تنصيب جمال مبارك أو تكون شعلة ضده.. وأمريكا التي يئست من تحرك هذا الشعب رغم إفقاره ..فقد تلقفوا الثورة واتحدت الأهداف ولكن كانت الإشكالية الصياغة النهائية.
هنا جاء عمر سليمان لبلورة الاتفاق الأمريكي لجميع الأطراف الأمريكي العسكري الإخواني ومحاولة الالتفاف على الثورة وخيانتها.. وما يحدث من وقت لآخر من نزول الإخوان للميدان ليس انضمام الإخوان للثورة.. هو مجرد اختلافهم في الوعود وتقسيم السلطة وليس أي من الطرفين مصلحة في إعلان ما هو خفي لذلك جميعهم يتلاعبون ولا يكشفون أوراقهم.
وبعد الاتفاق مع عمر سليمان عاد إلى مصر عناصر من تنظيم القاعدة، وهذا ما حدث أيضا في ليبيا وتونس وخرج الزمر من السجن وغيره في إطار الاتفاق إيذاناً للتخلص من أسامة بن لادن وكثير من القيادات بالقاعدة وإعلانا خفياً لبداية خطة من الإدارة الأمريكية بنقل الصراع للداخل المصري والتونسي والليبي, وانشغال هذه القوى التي تم تسميتها التيارات الإسلامية في حربها الجديدة داخلياً، وضمان عدم وجود رد فعل بعد قتل أسامة بن لادن, حيث بعد رجوع آلاف المصريين والليبيين والتونسيين من تنظيم القاعدة لم يعد هناك كوادر قادرة للانتقام إلى جانب أنهم يريدون أن يثبتوا أوضاعهم في دولتهم الجديدة .
ولعل نجاح التخطيط الأمريكي في نقل صراع الإسلام السياسي مع الغرب إلى الداخل يتجسد في دعوة تنظيم القاعدة على لسان أيمن الظواهري لمواجهة آل سعود ومواجهة فسادهم, إلى جانب أن التسمية التي تم إطلاقها في الحياة السياسية للدول محل الثورات العربية على هذه القوى الجديدة بالتيارات الإسلامية جسد معنى أن هناك تيارات غير إسلامية في الجهة الأخرى حتى لو بالمعنى دون المضمون كما ولدت كلمة إرهاب في مصر تحديداً وأصبحت بعد ذلك كلمة مرتبطة بالإسلام في التوصيف الغربي, وقد استقر المعنى رغم عدم صحة المضمون.
فالثوار لم يواجهوا فقط رأس نظام أو النظام كله، ولكن يواجهوا مصالح العالم بأسره.. ونؤكد أن خطط المجلس العسكري لم تكن قادرة على استئصال شأفة الثورة.. بل تم توريطها مع حلفاء.. هم في الحقيقة ألد أعدائهم.
أيضاً الحقيقة التي تفرض نفسها.. إن قطار الثورة بدأ يصل إلى المحطة الأولى.. رغم ما تم وضعه من عراقيل, لعل كثير من الركاب نزلوا ويئسوا من الوصول, وقد أبطأ القطار سرعته حقاً, ولكن هذه العراقيل لم تمنعه من المرور.. وجاء الوقت ليزيل العسكر بأنفسهم هذه العراقيل, وسينقلب العسكر على أدواته من المجاهيل التي اصطنعها لنفسه, فبيد أعوانه من الغرب مفاتيح الينابيع.. وقد بدأ تجفيف هذه الينابيع.
وجاء الوقت لتغيير إستراتيجية الثورة, وتوحيد أكبر عدد ممكن من الأحزاب والحركات السياسية لنشر الوعي السياسي في مصر أقصاها وأدناها، واتخاذ أدوات اتصال فاعلة قادرة على التواصل مع جميع أفراد المجتمع, للوصول إلى دولة مدنية, فمصر معتدلة بطبعها متجانسة, ليس بها حرب طوائف حقيقية.. أو صراعات.. وأن هذه الصراعات وهمية, وجاء الوقت أن يتحول ميدان التحرير إلى ميدان السياسة وتجديد الأمل لدى الناس وتحويلهم من الحالة الخاملة إلى الحالة الناشطة الفاعلة القادرة على الاختيار.. وهذا التحدي الحقيقي .
الأجواء مواتية الآن.. فالثوار استطاعوا أن يخفضوا طموحات العسكر.. وعلى الجانب الآخر.. العسكر استطاعوا أن يخفضوا طموحات الإدارة الأمريكية من جانب ومن طموحات الدول الخليجية من جانب آخر.
وهنا يتضح لنا مدى أهمية أن يظهر كيان مدني صلب للثورة يقلب قواعد اللعبة و يفرض واقعه على الأرض, فلابد من وجود حزب سياسي يضم الحركات الثورية ليعيد تنظيم قواعد اللعبة ويضغط على جميع القوى الداخلية والخارجية ويفرض عليهم أهداف الثورة.. وإلا فلتنتظروا الموجة الثانية من الثورة.
فالثورات في أوروبا الشرقية في نهايات الثمانينات وأوائل التسعينات كانت إشارة واضحة لضرورة وجود ثورات على أبعاد متقاربة منها في الشرق الأوسط وخصوصاً في مصر التي تتوسط العالم ولم تلفحها رياح التغيير, وهذه الإشارة لم يتلقاها فقط الإدارة الأمريكية والغرب بل والنظام الحاكم في مصر أيضاً تلقفها, وقد علم كل طرف منهما أنه لابد من وضع الحسابات الدقيقة لهذا وكان اللعب على المكشوف, وبدأ بتحالف بين الإدارة الأمريكية والحكومة المصرية وانتهى بتجادل.
التحالف جاء من خلال إمداد النظام المصري بتدريبات أمنية وغيرها من الأمور, من وجهة نظر النظام تلقاها على أنه مرغوب فيه من الإدارة الأمريكية, وبالنسبة للإدارة الأمريكية تراه مجرد تأجيل للثورة لتحديد الصورة النهائية المطلوبة.
ثم جاءت الألفية الثالثة وبدأ يعلم كل فريق منهم أن اللعب على المكشوف حيث أن الإدارة الأمريكية لديها خطة للشرق الأوسط الجديد, وفي المقابل كان على المخلوع أن يعرف كيف يقنع أمريكا أن تبقيه لأن مصالحها معه جوهرية وأنه أحسن من أي حليف آخر.
وقد احطاط المخلوع لنفسه وأبدع نظامه وأجهزته الأمنية, فكان خطة نظامه الأساسية تكمن في :
- استقدام الوهابية إلى مصر وفتح الآفاق أمامها لتثبط الفقراء والبسطاء لتثبيت حكمة.
- تعميق الجهل في المجتمع حتى في النظام التعليمي.
- قتل الأحزاب والنقابات والسيطرة عليهما.
- مزيد من السيطرة على الإعلام.
- إضعاف القضاء.
- خطة إفساد مؤسسي ممنهجة.
أما الخطة الأمريكية تكمن في زيادة الإفقار في مصر بحيث تخرج ثورة الجياع في النهاية, بما يسمى بالفوضى الخلاقة, ويمكن أي مجموعة منظمة مثل الإخوان الوصول للسلطة وبمساعدة الإدارة الأمريكية وتحت سيطرتها يمكن أن تضبط الإيقاع .. حيث أن الإدارة الأمريكية والغرب قد ضاقت من الإسلام السياسي وتنظيم القاعدة واستفحال أمرهم، فبعد أن كان الغرب يأخذهم ذريعة لدخول الدول, أصبحوا عبئاً على صانعهم وجاء الوقت لإضعافهم والتخلص من رموزهم.
فهدف الخطة الأمريكية تكمن بصورة عامة وتنصب حول نقل الصراع بين الغرب والإسلام السياسي من المحيط العالمي إلى صراع محلي في تلك الدول التي تنجح في عمل ثورة ليصبح الصراع.. إسلامي إسلامي.. ما بين الجماعات الدينية.. والعلمانيين والليبراليين في مرحلة.. ثم صراع طائفي ومذهبي بين تلك الجماعات في مرحلة أخرى، على أن تدعم الإدارة الأمريكية أكثر الفصائل القادرة على أمركة الإسلام للتخلص من الصراع الإسلامي الغربي في المرحلة التي تلي ذلك.
فجاء أوباما في زيارته في مصر لتحريك المياه الراكدة ومحاولة التشجيع على وجود ضمانات لتواجد الإخوان أو غيرها على الساحة السياسية ليكتشف لأي القوى تميل الإدارة الأمريكية إلا أنه ذهب مجهوده مع أدراج الرياح.
ولكن وبكل صراحة كان استقدام المخلوع للوهابية في مصر أبلغ الأثر في توطيد حكمه .. ولكن حدث ثلاثة أخطاء لم يدركهم أحد في حينها وهي:
الخطأ الأول :
وهو الخطأ غير المقصود الذي وقع فيه النظام هو قتل خالد سعيد.. ولم يعيره الكثير الاهتمام حينها ولم يدرك حجم المشكلة التي جسدت قمة الغباء في معالجة القضية، والذي تبعه تذمر من الطبقة المتوسطة في المجتمع حيث أفقدهم الشعور بالأمان, حيث أن الفقير في مصر كان طموحه أن يكون من الطبقة المتوسطة حتى لا تستهدفه الشرطة ويبتعد عن خدش الكرامة فأصبح الحصن الأخير يسقط أمام جبروت الشرطة, هنا ظهرت الطبقة المتوسطة على الأرض من خلال الحركات السياسية والاجتماعية المختلفة، وأبدت نشاطاً غير عادي للدفاع عن نفسها, وبالطبع فهي أكثر ثقافة وأكثر مالاً فكان لها أبلغ الأثر في التجهيز والحشد للثورة.
الخطأ الثاني :
قد وصل المخلوع إلى قمة غروره في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2010, وأصبحت عقيدته مطمئنة أن هذا الشعب لا يتحرك, وهنا حدثت الثغرة وهنا كان الخطأ الذي وقع النظام فيه بغروره وحتى الإدارة الأمريكية لم يروا ملامح الثورة بوضوح, وأقصى ما توقعوه أن يجهزوا الثورة ضد جمال مبارك فوطدوا صلاتهم بشخصيات عسكرية وآخرين لأنهم أيقنوا هم الآخرين أن الشعب ميئوس منه، حيث حاولت أمريكا الضغط لفترات كثيرة من خلال أجهزتها في محاولة إقناع الجانب المصري بوجود منظمات أهلية ومنظمات حقوقية, وأقصى ما كان موجود وله تواجد حقيقي على الأرض حركة كفاية وحركة 6 ابريل, ولكن الحركة المفصلية الأساسية كانت حركة خالد سعيد, وكانت الإدارة الأمريكية تحاول الضغط لإبقاء هذه الحركات ليس بوصفهم تابعين للولايات المتحدة في ولائهم كما يحاول البعض الإيهام بذلك، ولكن لمجرد تحريك المياه الراكدة فقط.
الخطأ الثالث :
أنه أثناء خلاف المخلوع مع بعض المواد المعروضة في برنامج لقناة سعودية أوصى وزير إعلامه بالضغط على هذه القناة.. فمنعها من البث بحجة عدم دفع الأموال المطلوبة السداد, وقد انتهزها أنس الفقي للضغط على الهيئة السعودية لدفع مديونيات القنوات الوهابية على النايل سات فتم غلقها، فهو يعلم مدى قيمة هذه القنوات لدى السعودية، وهنا حملات التثبيط التي كانت هذه القنوات تفعلها خفت حدتها .. فكان المناخ مواتياً للثورة بدون هذا التثبيط الذي نجح على مدار سنين أن يعزل الشعب عن الحركات الثورية, بل كانت هذه القنوات أهم حائل بين البسطاء والحركات الثورية، وكان هذا خطأ فادح من وزير مبارك ولعله أهم خطأ على الإطلاق.
ونأتي للحلقة الأخيرة.. وهي عندما فوجيء الجميع بنجاح يوم 28 يناير.. وكان أقصى أماني المجلس العسكري أن يكون أداة ضغط لعدم تنصيب جمال مبارك أو تكون شعلة ضده.. وأمريكا التي يئست من تحرك هذا الشعب رغم إفقاره ..فقد تلقفوا الثورة واتحدت الأهداف ولكن كانت الإشكالية الصياغة النهائية.
هنا جاء عمر سليمان لبلورة الاتفاق الأمريكي لجميع الأطراف الأمريكي العسكري الإخواني ومحاولة الالتفاف على الثورة وخيانتها.. وما يحدث من وقت لآخر من نزول الإخوان للميدان ليس انضمام الإخوان للثورة.. هو مجرد اختلافهم في الوعود وتقسيم السلطة وليس أي من الطرفين مصلحة في إعلان ما هو خفي لذلك جميعهم يتلاعبون ولا يكشفون أوراقهم.
وبعد الاتفاق مع عمر سليمان عاد إلى مصر عناصر من تنظيم القاعدة، وهذا ما حدث أيضا في ليبيا وتونس وخرج الزمر من السجن وغيره في إطار الاتفاق إيذاناً للتخلص من أسامة بن لادن وكثير من القيادات بالقاعدة وإعلانا خفياً لبداية خطة من الإدارة الأمريكية بنقل الصراع للداخل المصري والتونسي والليبي, وانشغال هذه القوى التي تم تسميتها التيارات الإسلامية في حربها الجديدة داخلياً، وضمان عدم وجود رد فعل بعد قتل أسامة بن لادن, حيث بعد رجوع آلاف المصريين والليبيين والتونسيين من تنظيم القاعدة لم يعد هناك كوادر قادرة للانتقام إلى جانب أنهم يريدون أن يثبتوا أوضاعهم في دولتهم الجديدة .
ولعل نجاح التخطيط الأمريكي في نقل صراع الإسلام السياسي مع الغرب إلى الداخل يتجسد في دعوة تنظيم القاعدة على لسان أيمن الظواهري لمواجهة آل سعود ومواجهة فسادهم, إلى جانب أن التسمية التي تم إطلاقها في الحياة السياسية للدول محل الثورات العربية على هذه القوى الجديدة بالتيارات الإسلامية جسد معنى أن هناك تيارات غير إسلامية في الجهة الأخرى حتى لو بالمعنى دون المضمون كما ولدت كلمة إرهاب في مصر تحديداً وأصبحت بعد ذلك كلمة مرتبطة بالإسلام في التوصيف الغربي, وقد استقر المعنى رغم عدم صحة المضمون.
فالثوار لم يواجهوا فقط رأس نظام أو النظام كله، ولكن يواجهوا مصالح العالم بأسره.. ونؤكد أن خطط المجلس العسكري لم تكن قادرة على استئصال شأفة الثورة.. بل تم توريطها مع حلفاء.. هم في الحقيقة ألد أعدائهم.
أيضاً الحقيقة التي تفرض نفسها.. إن قطار الثورة بدأ يصل إلى المحطة الأولى.. رغم ما تم وضعه من عراقيل, لعل كثير من الركاب نزلوا ويئسوا من الوصول, وقد أبطأ القطار سرعته حقاً, ولكن هذه العراقيل لم تمنعه من المرور.. وجاء الوقت ليزيل العسكر بأنفسهم هذه العراقيل, وسينقلب العسكر على أدواته من المجاهيل التي اصطنعها لنفسه, فبيد أعوانه من الغرب مفاتيح الينابيع.. وقد بدأ تجفيف هذه الينابيع.
وجاء الوقت لتغيير إستراتيجية الثورة, وتوحيد أكبر عدد ممكن من الأحزاب والحركات السياسية لنشر الوعي السياسي في مصر أقصاها وأدناها، واتخاذ أدوات اتصال فاعلة قادرة على التواصل مع جميع أفراد المجتمع, للوصول إلى دولة مدنية, فمصر معتدلة بطبعها متجانسة, ليس بها حرب طوائف حقيقية.. أو صراعات.. وأن هذه الصراعات وهمية, وجاء الوقت أن يتحول ميدان التحرير إلى ميدان السياسة وتجديد الأمل لدى الناس وتحويلهم من الحالة الخاملة إلى الحالة الناشطة الفاعلة القادرة على الاختيار.. وهذا التحدي الحقيقي .
الأجواء مواتية الآن.. فالثوار استطاعوا أن يخفضوا طموحات العسكر.. وعلى الجانب الآخر.. العسكر استطاعوا أن يخفضوا طموحات الإدارة الأمريكية من جانب ومن طموحات الدول الخليجية من جانب آخر.
وهنا يتضح لنا مدى أهمية أن يظهر كيان مدني صلب للثورة يقلب قواعد اللعبة و يفرض واقعه على الأرض, فلابد من وجود حزب سياسي يضم الحركات الثورية ليعيد تنظيم قواعد اللعبة ويضغط على جميع القوى الداخلية والخارجية ويفرض عليهم أهداف الثورة.. وإلا فلتنتظروا الموجة الثانية من الثورة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق